محمد متولي الشعراوي
9603
تفسير الشعراوي
وليس مختاراً فيه ، ونلحظ هنا الارتقاء من الأَدْنى إلى الأعلى : أولاً : سخّر الجبال وهي جماد ، ثم الطير وهي أرْقَى من الجماد ، لكن إنْ تصوَّرْنا التسبيح من الطير ؛ لأنه حَيٌّ ، وله روح ، وله حركة وصوت مُعبّر ، فكيف يكون التسبيح من الجبال الصماء ؟ بعض العلماء حينما يستقبلون هذه الآية يأخذونها بظواهر التفسير ، لا بُعمْق ونظر في لُبِّ الأشياء ، فالجبال يروْنها جامدة ، ليس لها صوت مُعبّر كما للطير ؛ لذلك يعجبون من القول بأن الجبال تُسبِّح ، فكيف لها ذلك وهي جمادات ؟ لكن ؛ ما العجب في ذلك ، وأنت لو قُمْتَ بمَسْح شامل لأجناس الناس الأرض ، واختلاف لغاتهم وألسنتهم وأشكالهم وألوانهم بحسْب البيئات التي يعيشون فيها ، فالناس مختلفون في مثل هذه الأمور متفقون فقط في الغرائز ، فالجوع والعطش والخوف والضحك والعواطف كلها غرائز مشتركة بين جميع الأجناس ، وهذه الغرائز المشتركة ليس فيها اختيار . ألم تَرَ إلى قوله تعالى : { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى } [ النجم : 43 ] فما دام أنه سبحانه الذي يُضحِك ، والذي يُبكِي ، فلن نختلف في هذه الأمور . فالكلام - إذن - من الأشياء التي يختلف فيها الناس ، وهذا الاختلاف ليس في صوت الحروف ، فالحروف هي هي ، فمثلاً حين ننطق ( شرشل ) ينطقها أهل اللغات الأخرى كذلك : شين وراء وشين ولام ، فنحن - إذن - متحدون في الحروف ، لكن نختلف في معاني الأشياء .